0
لعل المفارقة الأكثر اثارة للتوقف عندها في التطورات التي شهدتها البلاد في الساعات الأخيرة تمثلت في تزامن مرور الذكرى الشهرية الأولى لانطلاق انتفاضة 17 تشرين الأول الاحتجاجية الشعبية وأوسع انفجار سياسي حصل منذ انطلاقها وذلك غداة تسرّب اسم الوزير السابق محمد الصفدي مرشحاً لتأليف الحكومة الجديدة عن اللقاء الثلاثي الذي عقد في "بيت الوسط" ليل الخميس وضمّ رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري وممثلي الثنائي الشيعي الوزير علي حسن خليل وحسين الخليل.
واذا كان "يحق" للانتفاضة أن تتباهى بأن صمودها وثباتها على أهدافها ومطالبها ومضيّها في تصعيد تحركاتها من أجل تحقيقها وفي مقدمها إجراء الاستشارات النيابية الملزمة لتكليف شخصية تأليف حكومة جديدة مستقلة من اختصاصيين من خارج النادي السياسي، فإن الانفجار السياسي الواسع الذي حصل أمس شكّل واقعياً انعكاساً للارتباك الكبير والمكشوف الذي تعيشه القوى السياسية برمتها بدءاً بالعهد وأركان السلطة والأحزاب والقوى السياسية الى درجة الانكشاف الكامل أمام المرحلة الأكثر خطورة التي بلغتها الأزمة الداخلية سياسياً ومالياً واقتصادياً واجتماعياً وأخيراً أمنياً في ظل انتفاضة 17 تشرين الأول وبعد استقالة الرئيس الحريري.

ويُخشى في ظل ما تركته "حرب المصادر" والمقار الرسمية والسياسية التي انفجرت أمس على نحو غير مسبوق في شأن الملابسات التي أحاطت بتسمية الوزير السابق الصفدي وما شاب هذه التسمية بالشكل الذي حصلت فيه من تجاوزات دستورية وانكشافات سياسية أن تكون الادارة السياسية للازمة قد خطت خطوات واسعة نحو الاخفاق والفشل الأمر الذي ترجم في انكفاء رئاسة الجمهورية عن تحديد مواعيد الاستشارات النيابية الملزمة لتكليف رئيس الحكومة الجديدة، في ظل الصدام السياسي بين الأفرقاء الذين انخرطوا بأساليب وحسابات مختلفة في تسمية الصفدي فاذا بردود الفعل الفورية الرافضة من جانب المنتفضين لهذه التسمية تتسبب بارتداد المبادرة على أفرقائها ورئاسة الجمهورية وتظهر دوراً سلبياً اضافياً لوزير الخارجية جبران باسيل اضطلع به أمس من خلال مواقف متفردة اختزل عبرها صلاحيات رئاسة الجمهورية كما الاستشارات الدستورية برمتها وتسبّب بسجال حاد علني بينه وبين "بيت الوسط". واذ بدا مجمل المشهد المأزوم كأنه عاد الى نقطة البدايات والمربع الأول من الأزمة، انعكس الارباك الرسمي والسياسي في افتقاد جميع المراجع والمعنيين أي رؤية واضحة لـ"الخطة ب" بعد الصدام الذي حصل وانعدام أي تصورات للمعالجات التي ستسلكها المشاورات في صدد الاتفاق مجدداً على موجبات التكليف والتأليف، علماً أن تداعيات هذا الصدام أدّت الى اثارة شكوك واسعة في مصير تزكية اسم الصفدي، فيما عادت تزكية اسم الرئيس الحريري كمرشح لا منازع له من الباب العريض مع مبادرة ثلاثي رؤساء الحكومة السابقين السنيورة - ميقاتي - سلام الى التمسك بترشيحه.

وبذلك تكون عطلة نهاية الأسبوع الجاري بمثابة فرصة لمراجعة تداعيات الأزمة وما يمكن القيام به لاحتوائها خصوصاً أن التحركات الاحتجاجية ستشهد غداً الاحد يوماً مشهوداً في ظل الدعوات التي وجهت الى الاحتشاد في الساحات في مرور شهر على بدء الانتفاضة.

السجالات والردود
وأفادت أوساط قصر بعبدا أنه لم يعيّن بعد أي موعد للاستشارات النيابية الملزمة، على رغم تسريب مسألة الاتفاق على اسم الصفدي رئيساً مكلفاً، لكون الأمر يحتاج الى مزيد من التشاور.

وأوضحت أنه ما دام رئيس الجمهورية لم يحدّد موعد الاستشارات، فكل ما يُقال في هذا المجال يدخل في خانة الفرضية، على رغم التقدم الذي أحرز بالموافقة على الصفدي.

وأشارت إلى أن موافقة الرئيس الحريري على تسمية الصفدي أتت مكبلة ومشروطة، فالحريري لم يتعهد المشاركة في الحكومة ولم يوافق على الصيغة التكنوسياسية، وتالياً فإن ثمة شكوكاً في تسميته الصفدي.

وقالت الأوساط نفسها إن الرئيس عون ليس في وارد أن يعيد الاصطفاف وفق 8 و14 آذار، وهو قضى عليه بانفتاحه ولا يريد إعادة إحيائه.

في غضون ذلك، كان الوزير باسيل يؤكد عبر أحد المواقع الاخبارية "التواصل مع الوزير الصفدي الذي وافق على تولّي رئاسة الحكومة اذا حظي اسمه بموافقة القوى السياسيّة الأساسيّة المشاركة في الحكومة، وإذا سارت الأمور بشكلٍ طبيعي، فيفترض أن تبدأ الاستشارات الإثنين ليُسمّى في ختامها". ورأى أن الفترة التي سيستغرقها التأليف "لا يفترض أن تكون طويلة، لأنّ القوى السياسيّة الأساسيّة على اقتناع بضرورة الإسراع في تأليف حكومة تخرج البلد ممّا هو فيه".

لكن مصدراً سياسياً قريباً من "بيت الوسط" قال تعليقاً على كلام باسيل: "رجعت حليمة لعادتها القديمة، فالوزير باسيل حدّد موعد الاستشارات قبل أن يحدّدها رئيس الجمهورية، ومان على الرئيس الذي سيكلف قبل تكليفه، وقبل الاستشارات التي سيجريها وأعلن أنّ التشكيل سيجري سريعاً". ولاحظ أنّ باسيل "يحاول ترميم وضعه على حساب صلاحيات الآخرين، وإذا أراد فعلاً أن يسدي خدمة الى العهد ورئاسة الجمهورية، فينبغي أن يطلب إجازة من الكلام".

وكانت مصادر "بيت الوسط" اعتبرت تسمية الصفدي خطوة لتأكيد ضرورة الإسراع في الاستشارات النيابية. وكشفت أن الحريري وضع مجموعة أسماء لاختيار أحدها من أجل تشكيل الحكومة، منها نواف سلام وسمير حمود ووليد علم الدين وعصام بكداشي، الى تمام سلام ومحمد الصفدي الذي اختارته الأحزاب الأخرى.

وأضافت "أن تيار المستقبل لن يُمثّل في الحكومة مباشرة ما لم تكن حكومة تكنوقراط، لكنّ الحريري لن يتهرّب من مسؤوليّاته وسيعطي الحكومة الثقة"، مشيرة الى أنه "يريد الانتقال الى حكومة تعمل من أجل البلد وإنهاء مرحلة تصريف الأعمال سريعاً".

وخلصت الى أن "لا موعد لاستشارات نيابية ملزمة، والأمور تحتاج إلى مزيد من التشاور على رغم الكلام الذي تردّد عن خرق معين، كما أن هناك نقاطا تحتاج الى توضيح، منها إبلاغ كل الأطراف خيار الصفدي وتشاور الكتل في ما بينها".

وتسبّبت رواية لمصادر الخليلين عن تسمية الصفدي في سجال مع "بيت الوسط"، وفيها انه سبق استقبال الرئيس سعد الحريري مساء الخميس المعاون السياسي للرئيس نبيه بري الوزير علي حسن خليل والمعاون السياسي للسيد حسن نصرالله حسين الخليل حصول لقاء جمع الحريري والرؤساء تمام سلام ونجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة وأن الثلاثة طلبوا من الحريري أن يتولى رئاسة الحكومة ولا سيما في هذه المرحلة، إلا أنه كرّر موقفه الرافض للعودة إلى السرايا. وطلب من سلام أن يكون رئيساً للحكومة لكنه لم يبد حماسة لقبول هذه المهمة. وفي خلاصة لقاء رؤساء الحكومات اقترح الحريري اسم الصفدي لرئاسة الحكومة.

وفيما نفت أوساط الحريري هذه الرواية، صدر بيان عن الرؤساء السنيورة وميقاتي وسلام تميز باعادة تزكيته لترشيح الحريري الأمر الذي اكتسب دلالات سياسية بارزة. وجاء فيه: "منذ بداية الأزمة السياسية، شددنا ونعيد التأكيد اليوم على موقفنا الأساسي اعادة تسمية الرئيس سعد الحريري لتشكيل الحكومة الجديدة. وإننا نرى، في ضوء الأوضاع الراهنة، ان على القوى السياسية كافة تسهيل مهمته في ذلك".

النهار - 16 تشرين الثاني 2019

إرسال تعليق

 
Top