0
العهد الذي انتظرناه سنتين ونصف سنة بعد فراغ سدة الرئاسة، بسبب تعطيل العملية الديمقراطية – الدستورية بدأ متعثراً بالرغم من التسوية السياسية التي أمنت المخرج لولادته. والمؤسف أن «الرئيس القوي» الذي وعدونا به – لم ينجح في اجتراح «المعجزات» في الإصلاح والتغيير الذي وعدنا به طيلة سنوات سبقت انتخابه.
تستمر مسيرة العهد المتعثرة في وقت لا يبدو بأن سيد العهد وفريقه السياسي هم على عجلة من أمرهم لإطلاق ورشة عمل للتصدي لأي من المخاطر المتفاقمة التي تهدد الدولة والكيان. لقد وصلت مسيرة العهد إلى الحائط المسدود في ظل المأزق السياسي الراهن والذي نتج عن حادثة البساتين. فالحكومة غير قادرة على الاجتماع خوفاً من تفجيرها من خلال الانقسام الحاد الحاصل بين فريقين، يؤيد أحدهما إحالة جريمة البساتين إلى المجلس العدلي، وآخر إلى المحاكم العادية. يطرح هذا الخلاف الحاصل سؤالاً جوهرياً: هل بتنا في دولة تقرر فيها الأطراف المتخاصمة نيابة عن السلطتين السياسية والقضائية مسار التحقيقات والمقاضاة في حادثة أمنية مفتعلة كوسيلة لإدانة سياسية وقضائية من فريق العهد لطرف سياسي آخر؟

لا يبشّر المسار الذي تتبعه قضية البساتين بالخير، بعد فشل كل المساعي التي بذلت لإيجاد مخرج لها بإحالتها أمام المحكمة العسكرية، فالأزمة السياسية في تصاعد مستمر، قد يهدد مستقبل الحكومة والدفع بالبلاد نحو أزمة سياسية مرشحة لإصابة ما تبقى من عهد الرئيس عون بحالة من الشلل الدائم.

لكن السيناريو الأخطر يكمن في استغلال حادثة البساتين والتلاعب بملف التحقيق قضائياً، وتوجيهه للاقتصاص من وليد جنبلاط والحزب التقدمي الاشتراكي، وذلك على خلفية مواقفه السياسية من نظام بشار الأسد وعلاقاته المتوترة مع حزب الله، والتي ظهّرها تصريح جنبلاط بأن الملف الوحيد الذي يلتقي فيه مع السيد حسن نصر الله هو فلسطين.

في الواقع هناك مؤشرات على وجود نوايا لتوجيه التحقيق في هذا الاتجاه، بالإضافة إلى تداول وسائل الأعلام لمعلومات منسوبة إلى زوار الرئيس عون أو إلى دوائر قصر بعبدا عن توسيع دائرة الاتهامات، بوضع ما حدث في البساتين في خانة «المؤامرة» التي كانت تستهدف موكب الوزير جبران باسيل لدى مروره في تلك المحلة. لا بدّ من التحذير بأن استمرار الدفع في هذا الاتجاه سيؤدي حتماً إلى مزيد من الاحتقان السياسي، والذي يهدد بإشعال الفتنة إذا ما وصل إلى الشارع الذي بات مهيئاً في ظل سياسة الاستفزاز التي انتهجها رئيس التيار الوطني الحر منذ بداية العهد، بالإضافة إلى وجود مساع حثيثة للخروج على ما أرساه إتفاق الطائف من ضوابط لعمل المؤسسات ومن حقوق للطوائف.

تستدعي المصلحة الوطنية وقف المهاترة السياسية الجارية حول حادثة البساتين، ووقف إستغلالها السياسي، وإبقائها في إطارها الطبيعي، من خلال ترك حرية التصرف للقضاء للبت فيها وتوجيهها إلى الهيئة القضائية الصالحة. في رأينا، إن الخطوة الأساسية لسلوك الملف طريقه الطبيعي هي على عاتق الرئيس عون، وهي تبدأ بالتوافق مع رئيس الحكومة على دعوة مجلس الوزراء للاجتماع، مع التأكيد المسبق بعدم طرح حادثة البساتين وإحالتها إلى المجلس العدلي على جدول الأعمال.

تعتبر هذه الخطوة أساسية لمنع حصول مزيد من الاستفزازات والمزايدات السياسية والتي يمكن أن تتحول إلى قنبلة تفجّر الحكومة، وتدفع بالتالي نحو أزمة سياسية مستفحلة، من الصعب احتواء نتائجها أو تداعياتها السياسية والأمنية.

يدرك الرئيس عون أن المخاطر الكبيرة التي تواجهها البلاد لا تقتصر على تداعيات جريمة البساتين، بل تتعداها إلى أزمات أخرى مستعصية، بعضها يعود إلى الأوضاع الاقتصادية والمالية المأزومة، وبعضها الآخر لاحتمالات حصول إنفجارات إقليمية، تدفع مفاعليها إلى تسخين الجبهة الجنوبية مع إسرائيل، وتقود بالتالي إلى احتمال حصول حرب مدمرة، لا قدرة للبنان على تحمّل نتائجها.

تستوجب مسؤوليات الرئيس عون أن يبادر إلى تحصين الجبهة الداخلية سياسياً وإقتصادياً ومالياً وذلك من خلال الدعوة إلى مؤتمر للحوار الوطني تطرح فيه جميع الأمور بحثاً عن مخارج لمختلف هذه الأزمات بشقها الداخلي، والتوافق على السياسات والاستراتيجيات الوطنية لمواجهة المخاطر الناتجة عن تداعيات الأزمات الإقليمية وتخفيف تساقطاتها السامة على لبنان وخصوصاً لجهة أخذ كل التدابير الكفيلة بمنع الانزلاق إلى حرب مع إسرائيل.

في هذا السياق لا بدّ من دعوة الرئيس عون لطرح مبدأ تحييد لبنان عن صراعات المنطقة والعمل على التوافق على الضمانات الكافية لالتزام كل القوى السياسية والحزبية بتنفيذه. ويبقى الطريق الأسهل لتحقيق هذا الهدف الهام من خلال العودة إلى إتفاق بعبدا (إعلان بعبدا) الذي أقر في عهد الرئيس ميشال سليمان والالتزام بتنفيذه.

 العميد الركن نزار عبد القادر - اللواء - 7 اب 2019

إرسال تعليق

 
Top