0
يبدأ اليوم الرئيس سعد الحريري مخاضا بالغ المشقة لتأليف حكومة يعلق اللبنانيون والمجتمع الدولي أيضا آمالا مضخمة عليها، نظرا الى المهمات الاستثنائية التي تنتظرها والتي تحمل طابعا انقاذيا مصيريا للبنان الذي يشارف أخطر حلقات وفصول انهياراته ما لم يتم تداركها بما صار متعارفا عليه بحكومة المهمات المحددة وفق التسمية الرسمية للمبادرة الفرنسية. بدا الرئيس الحريري الذي صار منذ ما بعد ظهر امس رئيسا مكلفا لتشكيل حكومته الرابعة مدركا تماما للمصاعب والتحديات الكبيرة التي تنتظره، خصوصا وسط مفارقة رمزية واكبت تكليفه وبدء مرحلته الأصعب نحو تأليف الحكومة، اذ جاء تكليفه قبل أسبوع واحد من مرور سنة كاملة على استقالة حكومته الثالثة في 29 تشرين الأول 2019 عقب انطلاق انتفاضة 17 تشرين الأول. وترجم بيانه المقتضب بعد تكليفه هذا الادراك، علما ان الأجواء التي واكبت زيارتيه البارحة لقصر بعبدا في يوم الاستشارات النيابية الملزمة، وغداة الرسائل النارية التي وجهها رئيس الجمهورية ميشال عون في اتجاهه حصرا الى جانب قوى سياسية أخرى، عبر رسالته اول من امس، كانت تنبئ بالمناخ المشدود الذي جرت فيه الاستشارات وإعلان نتائجها وسط مخاوف سادت بعض الأوساط من مفاجأة خطيرة من نوع "تفويض" أصوات نواب لرئيس الجمهورية وقطع الطريق على تكليف الحريري بهرطقة دستورية مماثلة لتلك التي حصلت إبان عهد الرئيس الأسبق أميل لحود. 
ولكن ذلك لم يحصل وجرى التكليف بسلاسة والتقطت صور الرؤساء عون ونبيه بري وسعد الحريري في اجتماع التكليف الدستوري بما أرخى أجواء تبريد نسبية استعداد لـ"الجهاد الأكبر" مع انطلاق مخاض التأليف اليوم من خلال الاستشارات النيابية التي سيجريها الرئيس المكلف مع الكتل النيابية والنواب المستقلين في مجلس النواب. المعلومات المؤكدة عن استعدادات الرئيس الحريري لهذا الاستحقاق تفيد انه لم يضع الوقت منذ اعلن قبل أسبوعين في مقابلته التلفزيونية تنكبه لهذه المهمة وإطلاقه حركة المشاورات السياسية والنيابية الواسعة التي تولى بعضها بنفسه والبعض الاوسع الاخر بجولة وفد كتلة المستقبل على رؤساء الكتل والأحزاب الذين شاركوا في اجتماع قصر الصنوبر مع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون. 
تبعا لذلك تشير المعلومات الى امتلاك الرئيس الحريري العناوين الرئيسية والأساسية لمسودته الحكومية بما فيها من تصورات لاسماء وزراء مقترحين تنسجم مواصفاتهم مع حكومة الاختصاصيين التي ينوي تأليفها كما تنسجم هذه التصورات في المضمون الإصلاحي الجوهري مع الورقة الاقتصادية التي وزعها وفد المستقبل على القيادات التي قابلها وهي ترتكز الى المبادرة الفرنسية. 
اما في ما يتصل بمسألة الوقت والزمن المقدر لتأليف الحكومة الجديدة، فيمكن القول ان أي تحديد استباقي سيكون امرا محفوفا بالتسرع وعدم الدقة لان الاختبار الكبير للتأليف لم ينطلق بعد، وسيكون انتظار المرحلة الأولى من "المفاوضات الشاقة" التي سيبدأها الرئيس المكلف فور انتهاء الاستشارات النيابية غير الملزمة عصر اليوم في مبنى المجلس في ساحة النجمة محطة استكشاف أولية للحكم على طبيعة المخاض وما اذا كانت ستبرز إمكانات تسهيل او تعقد فورية.
التكليف والحريري
في أي حال برزت المناخات المعقدة شكلا، اقله في يوم استشارات التكليف في قصر بعبدا من خلال الأجواء المشدودة التي طبعت صور بعض الوجوه ولا سيما منها وجه الرئيس الحريري الذي كان متجهما. ولكن رئيس المجلس نبيه بري بادر عقب اجتماع التكليف الى محاولة تبديد المناخ التشاؤمي متحدثا امام الصحافيين عن "جو تفاؤلي خصوصا بين الرئيسين عون والحريري وبوجه أخص بين تياري المستقبل والوطني الحر".
غير ان الرئيس الحريري اظهر في بيانه الأول بعد تكليفه بأكثرية 65 نائبا طبيعة طريقته لمواجهة مرحلة التأليف اذ اتسم البيان باقتضاب وبدلالات حازمة حيال التزاماته في تأليف "حكومة اختصاصيين من غير الحزبيين مهمتها تطبيق الإصلاحات الاقتصادية والمالية والإدارية الواردة في ورقة المبادرة الفرنسية ". وتوجه الى اللبنانيين "الذين يعانون من الصعوبات الى حد اليأس" مشددا على عزمه "التزام وعدي المقطوع لهم بالعمل على وقف الانهيار الذي يتهدد اقتصادنا ومجتمعنا وأمننا وعلى إعادة اعمار ما دمره انفجار المرفأ الرهيب في بيروت وسأكب بداية على تشكيل الحكومة بسرعة لان الوقت داهم والفرصة امام بلدنا الحبيب هي الوحيدة والأخيرة".
وواكبت الاستشارات تطورات ومواقف نيابية اكتسبت دلالات وكان ابرزها تصويت نواب كتلة الحزب القومي السوري الاجتماعي لمصلحة الحريري كما كتلة نواب الأرمن. كما برزت مفاجآت أخرى عبر تصويت النواب نهاد المشنوق الذي لم يكن متوقعا لمصلحة تكليف الحريري كما النائب الذي خرج من كتلة اللقاء التشاوري جهاد الصمد والنائب في كتلة نواب القوات اللبنانية جان طالوزيان الذي خالف موقف كتلته. وجاءت الحصيلة الإجمالية للاستشارات بأكثرية 65 صوتا للحريري فيما امتنع 53 نائبا عن تسمية أي مرشح.
أصداء دولية
وفي اول موقف دولي من تكليف الحريري حض ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيتش القوى السياسية على مساعدة الحريري على تشكيل الحكومة الجديدة. وقال في تغريدة له "لا يمكن أي بلد وبالأخص اذا كان في حال سقوط كارثي كلبنان الاستمرار في تسيير اموره الى ما لانهاية في غياب حكومة فعالة وداعمة للإصلاح". وأضاف ان "القوى السياسية التقليدية أخذت مرة أخرى على عاتقها التحرك قدما بغض النظر عن إخفاقاتها في الماضي. الامر الان يعود الى هذه القوى لمساعدة رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري على تشكيل حكومة ذات صلاحيات وفعالة لبدء تنفيذ الإصلاحات المعروفة". وفي ما بدا إشارة لافتة الى ربط البعض الملف الحكومي بالانتخابات الأميركية قال كوبيتش "لا تنتظروا المعجزات من الخارج. الإنقاذ يجب ان يبدأ في لبنان وبواسطة لبنان".
اما مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط ديفيد شينكر الذي زار لبنان الأسبوع الماضي فرفض في لقاء صحافي امس التعليق على تكليف الحريري مشددا على التزام الحكومة الجديدة الإصلاح وانهاء الفساد. وقال "ما زلنا نقف مع الشعب اللبناني ومصرون على ضرورة الإصلاح والشفافية والمحاسبة على الجرائم التي تم ارتكابها". واعتبر انه "أيا تكن الحكومة التي ستتولى الامر في لبنان، فاذا ارادت ان تخرج البلاد من الازمة ينبغي الوفاء بكل هذه المتطلبات للحصول على المساعدات الدولية وإعادة لبنان الى المسار الصحيح". وشدد على "استمرار بلاده في فرض عقوبات على "حزب الله" وحلفائه اللبنانيين الذين ينخرطون في الفساد وإساءة استعمال السلطة بغض النظر عن المحادثات الجارية في شأن الحدود البحرية".
 
النهار - 23 تشرين الاول 2020

إرسال تعليق

 
Top