0
في بلد باتت فيه رحلة مريض الكورونا تنذر برحلات الموت، كتلك الفاجعة التي أودت ‏بمريض لم يحالفه الحظ بوجود سرير خال لانقاذه في أربعة مستشفيات بين بيروت ‏والشمال ففارق الحياة… يفقد كل كلام آخر عن الملفات السياسية وغيرها أي جدوى ‏ومضمون، فكيف متى أصبحت السياسة مرادفة للفضائحية الدائمة المكشوفة والتخلي ‏المرعب عن المسؤوليات حيال الانسان اللبناني المصلوب؟
‎ وسط تصاعد أسوأ الظروف والمعاناة المتنوعة اقتصاديا وماليا واجتماعيا ومعيشيا، ووسط ‏انزلاق لبنان بكل ما للكلمة من معنى الى النموذج الوبائي الكارثي الذي عرفته دول عدة ‏في أوروبا وأميركا الشمالية والجنوبية، لا تزال "أسطورة" السياسة اللبنانية تتمثل في دوامة ‏التساؤلات المحيرة: هل تراها تجري الاستشارات النيابية الملزمة لتكليف رئيس الحكومة ‏الجديدة المرجأة من الخميس الماضي الى الخميس المقبل ام يطاح بها تكرارا؟ يجري هذا ‏وقصص المآسي التي باتت تتكرر في يوميات الناس من مثل المرضى الذين لا يعثرون على ‏أسرة ولا على أدوية تنتظر ترف الذين يتمهلون في بت الاستحقاق الحكومي ولا يزالون ‏يخضعونه لحسابات مرحلة ما قبل الانهيارات اللبنانية وما قبل الكوارث اللبنانية وما قبل ‏تفشي كورونا. واذا كان كل ذلك لم يكف ولن يكفي، فماذا عن اكثر النداءات اثارة للرعب ‏الحقيقي أطلقته عصر امس الهيئات الاقتصادية يكاد يشكل الصرخة الأخيرة ما قبل لفظ ‏القطاع الخاص اللبناني أنفاسه الأخيرة اسوة بشهيد الكورونا الذي لم يعثر على سرير ‏الاحتضار؟
‎ في أي حال بدا لافتا للغاية ان تسابق التداعيات الخارجية لتأخير التكليف والتأليف وتصاعد ‏أنباء الفضائح السياسية اللبنانية التي تسد طريق الانفراج الحكومي، مجريات المماحكات ‏الداخلية بدليل تزامن الموقف الفرنسي الجديد امس مع اتصال مفاجئ لوزير الخارجية ‏الأميركي مايك بومبيو برئيس الجمهورية العماد ميشال عون، وكذلك كلام نوعي لصندوق ‏النقد الدولي محفز على استعجال الحكومة. مجمل هذه المعطيات معطوفة على أجواء ‏الاحتدامات الاقتصادية والاجتماعية تضع الساعات الثماني والأربعين المقبلة الفاصلة عن ‏موعد الاستشارات المرجأة في عين العاصفة علما ان لا معطيات تكفي للجزم باي اتجاه ‏حاسم نهائي وهو امر مثير للمزيد من التخوف والتشويش‎.‎
‎ غير انه فيما كانت أوساط بعبدا كانت تؤكد امس وتكرارا ان موعد الاستشارات النيابية ‏الملزمة باق الخميس ومن دون تأجيل، اتسم المشهد السياسي بجمود بل بانقطاع شبه ‏كامل لكل التحركات والاتصالات التي من شأنها ان تحرك البحث عن مخارج. ولذا ابدت ‏أوساط سياسية معنية بالمأزق شكوكا واسعة في مرحلة التأليف اذا مر خميس التكليف من ‏دون ارجاء، باعتبار ان تكليف الرئيس سعد الحريري سيكون محسوما بأكثرية تتجاوز الـ 70 ‏نائبا. ولكن ذلك لن يكفل توافر أي ضمانات من شانها استعجال حلحلة عقد التأليف، علما ‏انه اذا كانت عقدة التكليف حاليا تبدو كأنها حصرا بالعهد والتيار العوني، فان الانتقال الى ‏التأليف سيضاعف العقبات متى اصبح حلفاء العهد أيضا شركاء في الاشتراطات والمطالب ‏والمساومات. ورغم تأكيدات بعبدا ان الاستشارات في موعدها برزت معطيات منسوبة الى ‏أوساط 8 آذار تتحدث عن انه ربما يكون لدى الرئيس عون ما يقوله قبل الخميس. اما في ما ‏يتعلق بالزيارة التي كان يزمع المدير العام للامن العام اللواء عباس ابرهيم القيام بها ‏لباريس بعد واشنطن فتؤكد المعلومات ان ابرهيم لم يكن مكلفا بمهمة رسمية فيها. ولكن ‏الزيارة ألغيت مساء بعدما تبينت إصابة اللواء ابرهيم بفيروس كورنا وهو في واشنطن‎.‎
‎ عون وبومبيو
ومع ان الاتصال الذي تلقاه رئيس الجمهورية ميشال عون من وزير الخارجية الأميركي مايك ‏بومبيو لم يتطرق الى الوضع الحكومي وفق المعلومات الرسمية التي وزعتها بعبدا عن ‏الاتصال، فان توقيته بعد أيام من زيارة مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق ‏الأوسط ديفيد شينكر للبنان، أكسبه دلالات قد لا يكون الاستحقاق الحكومي الذي تستعجله ‏واشنطن، وكما سبق لشينكر ان اكد ذلك بعيدا عنه. وأفادت المعلومات ان بومبيو عرض ‏خلال الاتصال للعلاقات اللبنانية الأميركية ومفاوضات ترسيم الحدود البحرية الجنوبية، ‏وشكر عون الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة كوسيط مسهل للتفاوض، مؤكدا ان لبنان ‏مصمم على الحفاظ على حقوقه وسيادته في البر والبحر. وابلغ بومبيو عون ارسال بلاده ‏مساعدات لاعادة اعمار الأحياء التي تضررت في بيروت نتيجة الانفجار في المرفأ في 4 آب ‏الماضي. ولاحقا اصدرت الخارجية الأميركية بيانا حول اتصال بومبيو بالرئيس عون. ووفق ‏البيان، استذكر بومبيو الذكرى السنوية الأولى لاحتجاجات 17 تشرين الأول‎.‎
‎ وأشار إلى أن الولايات المتحدة تتطلع إلى تشكيل حكومة لبنانية تكون ملتزمة وقادرة على ‏تطبيق الاصلاحات التي يمكن أن تؤدي إلى فرص اقتصادية وحكم أفضل ووضع حد ‏للفساد المستشري‎.‎
‎ ‎… ‎والخارجية الفرنسية
وتزامن ذلك مع موقف فرنسي جديد من الازمة الحكومية في بيان أصدرته وزارة الخارجية ‏الفرنسية وانتقدت فيه التأخير في تشكيل الحكومة. وقالت انه "في الوقت الذي يتضرر فيه ‏لبنان على نحو متزايد من الازمة الاقتصادية والاجتماعية التي فاقمتها عواقب الانفجار الذي ‏وقع في 4 آب، لا يزال ثمة تأخر في تشكيل حكومة ذات مهمات محددة قادرة على تنفيذ ‏الإصلاحات اللازمة رغم الالتزامات التي أكدتها مجددا القوى السياسية اللبنانية كافة التي ‏تقع عليها وحدها المسؤولية عن هذه العرقلة المطولة التي تحول دون تلبية التطلعات ‏التي اعرب عنها المواطنون اللبنانيون". ودعت "جميع القادة السياسيين اللبنانيين الى ‏تحمل المسؤوليات التي تقع على عاتقهم" مؤكدة "استعداد فرنسا لمواكبة لبنان في سبيل ‏الإصلاحات باعتبارها السبيل الوحيد الذي يمكن من خلاله حشد جهود المجتمع الدولي. ولذا ‏يتعين على المسؤولين اللبنانيين ان يتخذوا أخيرا خيار النهوض بدل الشلل والفوضى ‏فالمصلحة العليا للبنان والشعب اللبناني تتطلب ذلك". ‎ ‎
وقد برز في هذا السياق، اعلان صندوق النقد الدولي مجددا انه على أتم الاستعداد ‏لمساعدة لبنان كما صرح بذلك مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق ‏جهاد أزعور. وقال "نتطلع الى الحكومة المقبلة والخطوة الأولى ان تقدم الحكومة برنامج ‏إصلاحات شاملا وموثوقا به يساعد في معالجة المشاكل الاقتصادية والمالية المتعددة ‏التي يواجهها لبنان". ولفت أزعور الى ان "هذا البرنامج يجب ان يكون مدعوما من مختلف ‏الأطراف وموجها لاعادة الثقة والاستقرار الاقتصادي" مؤكدا ان "الصندوق جاهز للمشاركة ‏في المناقشات مع الحكومة الجديدة للحصول على دعم مالي".. ‎ ‎
النداء - الإنذار
في أي حال فان التداعيات المتمادية لتأخير تشكيل الحكومة الجديدة على الواقع الاقتصادي ‏والاجتماعي اتخذت طابعا بالغ الخطورة في مضمون النداء بل نفير الإنذار والخطر الفائق ‏الذي دقته مجددا الهيئات الاقتصادية امس. وبعد اجتماع طارئ عقدته اطلقت الهيئات ‏‏"نداء استغاثة لإنقاذ لبنان" محذرة من ان كل الازمات والتراجعات التي سجلت حتى الآن ‏‏"ليست الا البداية وسنصل الى مرحلة ستنعدم فيها السيولة بالعملات الصعبة ويرتفع سعر ‏صرف الدولار من دون سقوف وتندثر القدرة الشرائية وتتعطل كل محركات الاقتصاد …". ‏وطالبت بالسير نحو تشكيل حكومة منتجة فورا مناشدة السياسيين "ألكف عن الممارسات ‏السلبية وإنتاج الحلول وملاقاة المبادرة الفرنسية"..
 
النهار - 20 تشرين الاول 2020

إرسال تعليق

 
Top