0
تعرف روسيا تماماً حساسية الوضع اللبناني، وتتفهم حاجات الجيش والأجهزة الأمنية من دول غربية. هذا لا يمنع رغبتها في تعزيز تعاونها، واستعدادها لتنسيق عميق في مجال الأمن والمعلومات، الأمر الذي يصبّ في مصلحة الجيش في مجال مكافحة الإرهاب.
لا يمكن الكلام عن أي جهاز أمني أو عسكري لبناني من دون الأخذ بالاعتبار واقع أن هذه الأجهزة غربية التدريب والتجهيز والتنسيق المعلوماتي. لذا، يصبح لافتاً أي كلام عن تعاون روسي لبناني في المجالين العسكري والأمني، لأن الأجهزة الأمنية الروسية تتعامل مع الأجهزة اللبنانية المعنية، على قاعدة تفهّمها الكامل لمسار تعاونها مع الأجهزة الغربية، وتحديداً الأميركية، ولا سيما في مجال مكافحة الإرهاب، والتنسيق الأمني والعسكري وتقديم الهبات والمساعدات للجيش اللبناني. 
يستوعب الروس تماماً هذا التعاون، ولا يفرضون شروطاً، في المقابل، على أي مساعدة يمكن أن تقدمها الأجهزة الروسية المختصة. فهم ينطلقون، منذ سنوات طويلة، من مبدأ احترام سيادة لبنان، وبهذا المعنى لا يتدخلون في أي شأن داخلي، أو يفرضون أي إملاءات، في كل ما يتعلق بمواقف القوى السياسية أو اتجاهات المساعدات العسكرية، ولا يتعاملون مع لبنان على أنه يدور في فلك روسيا أو الاتحاد السوفياتي سابقاً. 
ووفق هذه الرؤية، يعرفون تاريخ الأجهزة العسكرية «الغربي» ومسارها، ويُدركون خصوصيتها، ولا سيما في مجالَي التدريب والتسليح. وبقدر ما يريد الروس تعزيز تعاونهم العسكري في قطاعات عدة، يتصرفون بواقعية بلا أي ضغط، أو متطلبات تعجيزية، لا بل إنهم يتجاوزون في أي نقاش على مستوى ثنائي، مواضيع يعرفون تماماً أنها غير مثمرة، ويتحدثون بواقعية عن العقبات التي تحول دون رفع مستوى التعاون العسكري إلى مستوى أعلى مما هو عليه، وعن التعاون الحيوي الجاري حالياً والمرجَّح أن يتعزز وفق روزنامة عمل لبنانية روسية مشتركة. علماً أن التنسيق الأمني والعسكري بين البلدين قائم حالياً، في مجال مكافحة الإرهاب والتدريب العسكري، لكنه على أهبة أن يتضاعف وفق مطالب لبنانية محددة من الروس، الذين أبدوا استعداداً تاماً لتلبيتها وتقديم أي تسهيلات ممكنة.
لا تزال الأجهزة اللبنانية تولي أهمية في مجال الأمن لملف مكافحة الإرهاب، وتحاول التنسيق مع عدد من الأجهزة الدولية لمتابعة هذا الملف، خصوصاً عند وقوع أي تطور أمني أو عسكري في لبنان والخارج. وهي تنشغل حالياً بملف حساس يتعلق بـ«ورثة» الآباء الجهاديين والمسلحين، لكونها قد بدأت ترصد جيلاً جديداً من أبناء المقاتلين والمتأثرين بهم الذين يتحولون أيضاً «مشاريع» جهاديين وإرهابيين، سواء أكانوا لبنانيين أم من خارج لبنان، حسبما بدأ يظهر من خلال توقيفات وتحقيقات جرت في الآونة الأخيرة.
ولأن تسرُّب مسلحين وتهريب أشخاص من سوريا إلى لبنان، على تماس مع شبكات إرهابية، لا يزال يمثل ثغرة أمنية خطيرة، تحوّل هذا الموضوع نقطة أولية في نقاشات مشتركة تثمر تعاوناً بين بيروت وموسكو، إضافة إلى نقاشات حيوية في موضوع النازحين السوريين وفق المبادرة الروسية التي لا تزال معلقة.
يريد لبنان تعزيز تعاونه في نقطتين: الأولى الإسهام في منع تسرب المقاتلين والإرهابيين إليه. إذ لا يزال تهريب مقاتلين من دير الزور والرقة وإدلب الشغل الشاغل للأجهزة الأمنية، ولا سيما عبر الحدود الشمالية والشمالية الشرقية. ورغم كثافة الإجراءات الأمنية والعسكرية، إلا أن التسلل لا يزال قائماً عبر المعابر غير الشرعية وشبكات تهريب ناشطة من الجهتين. لذا، كان الطلب من الروس المنتشرين في المناطق السورية، أو المتعاونين مع الأجهزة السورية فيها، المساهمة في التشدد من الجهة السورية لمنع تسرّب هؤلاء. وهذا أمر حيوي أمنياً وعسكرياً، ويحتاج إلى جهد من لبنان وروسيا للتعاون في ضبطه.
النقطة الثانية، هي الحصول على بنك معلومات عن المسلحين الذين تملك الأجهزة الروسية ملفات عنهم، وهم طبعاً بالمئات، وهذا يشكل بنداً حساساً وملحّاً، لجمع داتا كاملة عن المسلحين الإرهابيين وكل ما يمتّ إليهم بصلة. لأن الأجهزة اللبنانية تواجهه معضلة ضبط مجموعة من المتسللين إلى لبنان وتوقيفهم، وبما أنها لا تملك أي معلومات عنهم، لا أمنية ولا عسكرية، يفرج عنهم لاحقاً، لعدم التثبت من خلفياتهم وتاريخهم العسكري أو الجهادي. وهذه النقطة تمثل ضرورة ملحّة للأجهزة اللبنانية، ولا سيما أن بعض الذين يهربون إلى لبنان، يحاولون أيضاً الانتقال منه إلى دول أخرى. وقد وعدت الأجهزة الروسية المختصة بالتعاون في هاتين النقطتين، وبدأت الإعداد لتنفيذ ما اتُّفق عليه، وتسريع وتيرة إظهار نتائجه وفق مصلحة أجهزة البلدين وتعاونهما.

هيام القصيفي - الاخبار - 24 تموز 2019

إرسال تعليق

 
Top